Search
Friday 20 April 2018
  • :
  • :

حاجز سوردا

ثلاث سنوات على حاجز سوردا

ما بين شاخصتين مروريتين؛ واحدة تؤشر إلى مدينة «رام الله»، والثانية تومئ في اتجاه معاكس إلى بلدة «سوردا»، يقف حاجز تم التعارف على تسميته باسم «حاجز سوردا».. هناك عند المنعطف، نبت هذا الحاجز، وليد فكرة ربّاها جيش الاحتلال الإسرائيلي، في الضفة الغربية، وطوّرها، حتى جعلها واقعاً في تفاصيل المكان..

لا يزور المخرج العراقي قاسم عبد «حاجز سوردا»، ولا يطل عليه من عين الكاميرا، ولو كان فعل ذلك، فقط، لما كان قد أتى بجديد!.. إنه سيمضي ثلاث سنوات على «حاجز سوردا»!.. مراقباً راصداً متأملاً: أولاً، في معنى أن يقوم الحاجز، بغتة عند هذا المنعطف، فيقطع الطريق، ويعرقل حركة المرور.. وثانياً، في معنى أن يبقى هذا الحاجز مدة من الزمن، قبل أن يلملم جنده، بأسلحتهم ومجنزراتهم وجرافاتهم، وقبل أن يأخذ ومكعباته الإسمنتية، ويطوي أسلاكه الشائكة، وأن ينتهي.. وثالثاً، في تفاصيل الحياة التي نشأت على اضطرار، في المسافة ما بين ولادة الحاجز وقيامته، حيث يمعن الاحتلال في إجراء تدمير منهجي لكل مفردات الحياة الطبيعية، ومحاولة إعادتها إلى بدائيتها الأولى.. نعم سيجعل قاسم عبد من فيلمه موضوع معايشة، وليس مجرد زيارة.. ثلاث سنوات هي الفترة التي رصدها قاسم عبد للتصوير على «حاجز سوردا»، وخلال هذه السنوات كان يتابع حكاية ولادة، ونهوض، واستمرار، وموت حاجز، لم يكن وجوده عابراً في المكان، ولا في حياة الناس المتوزعين على حافتيه، أو المضطرين للانتقال بين جهتيه.. وهم ليسوا قلة أبداً، فهناك من يقول لنا إن «حاجز سوردا» كان يتحكم بمصير أهالي قرابة ستين قرية فلسطينية متناثرة في الضفة الغربية.. ستون قرية؟!.. الحاجز يقف في وجه حركة الفلسطينيين، لا همّ له إلا عرقلتها، وزيادة المعاناة في ممارستها.. وربما كفّ الجندي الممدودة في وجه الكاميرا، والتي تنتهي إلى «ستوب كادر»، في اللحظات الأولى من الفيلم، دلالة على ذاك الحاجز الواقف في وجه المارة.. على الحاجز سترى جنوداً مدججين بكل أنواع الأسلحة، بما فيها القنبلة ذات اللون البرتقالي، التي تتحول في لحظة مواجهة إلى أمواج من دخان، وسحب من غاز خانق.. ومن تراه لا يقول إن من الخيبة أن نرى جند أقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط، وهم يتحوَّلون إلى «عساكر مرور»، وأن نرى دبابة عتيدة، وهي تقف في عرض الطريق، بمواجهة السيارات المدنية المكتظة، ترادوها برشاشها المتأهب دائماً، حتى في أقصى لحظات الكسل والاسترخاء.. ليس المهم في فيلم المخرج قاسم عبد قدرته على التقاط التفاصيل في عالم الحواجز، حتى وإن انتبه إلى أدقها، وأصغرها، خاصة ما يتعلق منها بانتهاك الخصوصية، وفض الحميمية، وامتداد أيدي الجنود إلى الحقائب الشخصية، وتضاريس الأجساد، وفتح الصناديق، وتفتيش الأكياس، والأوراق، والعلب.. ولكن المهم، في الفيلم، أنه ينتبه إلى تحول ما هو غير عادي إلى العادي.. وما هو غير طبيعي إلى الطبيعي.. مثلاً.. سنرى جنديي احتلال يقومان باعتقال أحد الشباب الفلسطينيين، يوثقان يديه خلف ظهره، ويأمرانه بالوقوف، والسير معهما مخفوراً.. وسيمران به بكل الهدوء بين الفلسطينيين المنتظرين على الحاجز.. لم يحظ الأمر بأية التفاتة من أحد، والجنديان يأخذان الفتى المُوثق.. هكذا بكل بساطة، وكأنه أمر عادي!.. في البناء المونتاجي الذكي، الذي نفذه المونتير محمد علي المالح، بإشراف المخرج والمونتير قيس الزبيدي، يتم الانتقال مباشرة، وبعد أن يلتف أحد الشباب الفلسطينيين حول نفسه، إلى إطلالة مجنزرة على كتف الطريق الترابي، ترافقها دبابة ميركافا، من جانب آخر، الأمر الذي يجعل الحشد يتحوّل إلى لاقطي، ومن ثم راجمي حجارة، في مواجهة الجنود الذين أخذوا يطلقون الرصاص، وقنابل الغاز.. المونتاج يفيد في معنى أن الممارسات التي يقوم بها جند الاحتلال هي الوقود الذي يؤجج المواجهة، ويضرم فعل المقاومة، حتى من قبل أولئك الفلسطينيين الذين يبدون للحظات في غاية الحيادية، وعلى جانب كبير من السلبية!.. في ولادة الحاجز.. باستثناء هذا الاستطراد في الفيلم، لم يظهر أي ميل لدى المخرج قاسم عبد باتجاه تصوير مواجهات، أو أفعال مقاومة مباشرة، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه في كثير من مشاهد الفيلم يذهب نحو تصوير أشكال أخرى، يمكن أن نسميها «معاندة»!.. إذ نرى كيف يخترع الفلسطينيون طاقات هائلة على الصبر (أين منها صبر أيوب؟)، من جهة، كما يخترعون أنماطاً عجيبة من طرق ممارسة الحياة.. بما فيها تلك التي تستنجد بما هو غاية في البدائية.. يولد الحاجز، وسنرى الجرافات تعمل بدأب.. تتقدم.. تتراجع.. تحفر.. ترحّل.. من الواضح أن الإسفلت قد اقتلع من مكانه، وتحوّلت المسافة إلى أكوام من التراب والحجارة وقطع الإسفلت.. إضافة إلى المكعبات الإسمنتية.. جيش الاحتلال، بجنوده، وآلياته، ومعداته، يتحول إلى ورشة تمعن في إتقان عملها، الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه تخريب المكان، وتفتيت الطبيعة، وتقطيع أوصاله.. وجرَّاء ذلك لم يعد المكان مجرد منطقة للعبور عند منعطف، لم يكن يأخذ الكثير من الانتباه، قبل ولادة الحاجز.. بل بات مكان حكاية خاصة، واستثنائية، يرصدها المخرج قاسم عبد طيلة ثلاث سنوات.. هنا سيقوم فضاء له مفرداته الخاصة، عنوانه الحاجز، وسيتوفر له كل ما يسانده في القيام بمهماته.. وهنا ستنشأ حياة جديدة، خارقة للعادة، يستولدها الفلسطينيون من براثن الحاجز ذاته.. الناس والسيارات، بما فيها سيارات الإسعاف، تضطر للعبور فوق الحجارة وأكوام التراب.. نحو «رام الله» أو «بير زيت».. الفلسطينيون يخترعون وسائل للنقل، أو يعيدون اكتشاف تلك الوسائل التي يفترض بالزمن الحضاري أن يكون قد تجاوزها.. هكذا سنراهم يعيدون تأهيل العربات المتهالكة.. الطنابر.. العربات التي تجرها الحمير أو البغال.. ويجعلونها تنقل الأغراض والناس.. على السواء.. المرور المنهك للفلسطينيين المتعبين، وفي تكراره المتواصل، يغدو طقساً يومياً لا بد منه.. وفي لقطة ذكية تتحول عين الكاميرا إلى الأسفل، لترقب الظلال تمرّ بين المكعبات الإسمنتية.. الفلسطينيون في مرورهم الملول يتحولون إلى ظلال، أو أطياف، أو أشباح، تعبر في الحيز الضيق بين المكعبات الإسمنتية.. المشهد يبين أن الحاجز وجنده لا يريدون الاكتفاء بإعادة الفلسطينيين إلى العصور الوسطى، وإخراجهم من التاريخ، فقط، بل هم يريدون محو إنسانيتهم، وإلغاء حضورهم، وتحويلهم إلى أرقام، أو أشباح.. اختراع حياة.. العلامة الصفراء، على الكنزات، والسترات، على القبعات، والرايات، على سيارات الإسعاف، أو الكراسي المتحركة.. تدل على مؤسسة «الإغاثة الطبية الفلسطينية» التي نشأت، بحكم الضرورة، للقيام بالعديد من المهمات الطبية والإنسانية، فضلاً عما تقوم به «جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني».. مصابون، وعجزة.. أرجل مكسورة.. وأجساد منهكة، أتعبها المرض، أو أتلفتها الشيخوخة.. وشباب وصبايا منهمكون في القيام بأعمالهم على أفضل ما يستطيعون.. ينقلون هذا، ويجرون الكرسي بذاك.. يسندون هذا، ويساعدون تلك.. إنها ورشة من طراز آخر.. على النقيض تماماً من ورشة الاحتلال.. إنها ورشة فلسطينية تريد المساعدة للاستمرار على قيد الحياة، لا يفلتها الفيلم إلا على مشهد استراحة الكرسي المتحرك، في تعبير حاذق.. الحياة تستمر، وإن باختراعات تحمل طعم الكوميديا السوداء، أو شرّ البلية الذي يضحك.. أيام الكفاح المسلح، كتب أحد الروائيين الفلسطينيين عن الحياة التي أنشأها الفلسطينيون في المقابر، بانتظار الجنازات.. يومها كان الشهداء يتتالون في القدوم إلى المخيم، وفي الانتظار أخذ الباعة الجوالون يتسللون إلى أطراف المقبرة، يبيعون الشراب البارد، أو الساخن، والسندويش.. والآن، في أيام الحواجز والمعابر، سنرى الفلسطينيون يخترعون حيوات مشابهة.. الباعة المتجولون انتبهوا إلى عالم الانتظار على الحواجز، فتسللوا إلى المكان، إلى أن أصبحوا لزوماً لا يتحرجون منه.. سيرصد الفيلم كؤوس الشراب الملون، تحاول إطفاء ظمأ العابرين.. صوت بائع ينادي: «بوظة بارد».. صوت بائع آخر يعلن أن: «أيّ قطعة بشيكل».. وفي المكان بسطات.. صناديق.. علب كرتون.. دخان.. بائع الشاي والقهوة.. تتوالى الفصول من صيف إلى شتاء.. من قيظ لاهب، إلى مرور مبلل بالمطر والطين.. وتتبدل المواسم، والعابرون على الحاجز أخذوا يتوقفون للشراء.. مأكولات وملبوسات وألعاب وأدوات كهربائية.. حتى مكعبات الإسمنت ذاتها، وجدت نفسها تتحولت إلى بسطات من نوع خاص.. ومنضدة نقل البضائع والخضراوات والثمار.. الحاجز وقد أضحى سوقاً للبيع والشراء، نمت على حافتيه ملامح حياة مؤقتة.. كأنما الفلسطينيون محكومون بالمؤقت دائماً!.. موت الحاجز.. سيموت الحاجز.. ورحلة المخرج قاسم عبد معه انتهت إلى فيلم تسجيلي وثائقي متوسط الطول (مدته 28 دقيقة).. سنرى الجرافات تفتح الطريق أمام السيارات.. وطنبراً ينقل المحتفلين بفتح الحاجز.. والعابرين يصفقون ويغنون فرحين بالأمر.. الجرافات تفتح الطريق.. تجرف التراب.. تزيح المكعبات الإسمنتية.. سيارات الجيب تغادر المكان.. والجنود يغادرون.. تنتبه الكاميرا إلى مكعب إسمنتي، رسمت عليه نجمة داوود، ينغرز في التراب، ملقى على جانب الطريق.. المكعبات الأسمنتية ملقاة على جانب الطريق كالقمامة.. ذهب الحاجز.. وعادت السيارات للعبور بالاتجاهين.. وكأن شيئاً لم يكن!.. فأين ذهبت كل تلك العذابات؟..

  Bashar Ibrahem-Cinema critic.




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Translate »